Skip to content Skip to sidebar Skip to footer

DR. MOHAMED SALEM

محمد سالم تعبيرية التجريدلا يستطيع الفنان تجاهل أوضاع العصر الذي يعيشه فهي تتحكم في رؤيته، وتحدد مفردات لغته الفنية، ولاشك أن عالمنا المعاصر بما يطرحه من فوضى ولا معقولية يجعل أي فنان يتجه للبحث عن حقيقة روحية أو نوع من الشعور بالاستقرار طلباً لمفاهيم ثابتة، لذلك يكون الاتجاه للتجريد هو احتياج بديهي لدى الفنان المعاصر، حيث يتيح التجريد انتزاع الأشياء من سياقها الخاضع للتغير الدائم ، وتحقيق ثبات للقيم الكامنة فيها. من هنا بحث الفنان محمد سالم عن موضوع الفن في عناصره البنائية الأساسية: الخط ، اللون ، الضوء ، المساحة ، الملمس .. وذلك في تكوينات تجريدية استبعدت منها المظاهر الحسية التي تفسد نقاءها الأصلي ، وسرعان ما تخلق تلك المجردات حالة من التعاطف مع العالم الكامن داخل كل إنسان ؛ وكأن النفس الإنسانية تشترك في ارتياحها من وطأة المدركات الحسية المرتبطة بالواقع بكل حيرته . فالفن هو إعادة اكتشاف وتأسيس جديد لعناصر العمل الفني في عالم من الأشكال. والفنان يقوم بتنظيم تلك العناصر بما يجعلها ذات نسق تنبض بحياة خاصة بها . وقد احترم الفنان مسطح الصورة دون الدخول في لعبة الإيهام وأخلص للغة التصوير الخاصة ونظم بنائه ومسار عملية الإبداع بما تتضمنه من مراحل بناء وهدم ، بحيث يأخذ كل جزء من المسطح تاريخه الخاص به، بما شمله أثناء عملية الإبداع من ألوان وخطوط وملامس ، وحذف وإضافات. وأيضاً أجزاء مازالت بيضاء من سطح العمل يتركها دون أن يمسها اللون ، فتحمل اللوحة بذلك أطياف أداء الفنان وحيرته معها ، وتوتر البدايات الأولى. لذلك تأتي أعمال الفنان محمد سالم تجريدية لكنها تحمل بعداً تعبيرياً واضح الحضور. وربما يحقق هذا البعد التعبيري في أعماله التجريدية أيضاً طبيعة التصميمات التي شحنت الأشكال الهندسية بالحس المرهف. على سبيل المثال : نجد في أحد أعماله مستطيلاً ضخماً من الزجاج المعشق بالرصاص تتراوح درجاته بين الأبيض والأسود في خطوط رأسية ومستطيلات منتظمة ، وفجأة تنجرف الخطوط بشكل مائل غير منتظم كشلال متحرك هادر ، وتتوسطها دائرة ينتمي داخلها لنظام بنائي مختلف ليبدأ بدوره حوار آخر . أو كأن يقدم في أحد الأماكن العامة نافذة زجاجية ضخمة، ثم نجده في الحائط الذي يجاورها يقوم بعمل مجموعة من المثلثات الزجاجية الملونة التي تخلخل كثافة الجدران وعتمته بمثلثات من الضوء الملون المتناثر. أو أن يقدم في أحد أعماله في تقنية الزجاج المعشق بالجبس ستارة أرابيسكية دقيقة من الضوء ممتدة راسياً تبدو وكأنها قطعة من الدانتيل الرقيق تنسينا ثقل الخامة، وتنقل التقنية من حيز الحرفة إلى مجالات إبداعية جديدة. والفنان يحقق الحركة الداخلية في أعماله الجدارية معتمداً على تفاوت التأثيرات التي يحدثها اختلاف أحجام قطع الزجاج أو الحجارة أو الرخام أو السيراميك، ويتحدد ذلك الاعتراك الداخلي للخامات من خلال الفواصل ، أو خطوط التلاحم السوداء أو الفراغات التي يستثمرها الفنان في قيادة الحركة الداخلية للعمل. وفي أعماله المنفذة بخامة الزجاج، يجعل الفنان قطع الزجاج المتجاورة المرصعة تعطي إحساساً شاعرياً بذبذبة بصرية رقيقة، فيبدو السطح الزجاجي كأنه يتموج ويتلألأ بما يشعه من نور وما يستقبله من ضوء ، محولاً الخامات الصلبة القاسية إلى خامات طائعة تحمل كل قيم التشكيل . إن أعمال محمد سالم تنقل إلينا حسه المرهف ومقدرته على إدراك علاقات في الشكل توافق تصوراته الذهنية وأيضاً استجابته الانفعالية كفنان تجاهها . وقد حاول أن ينشِّط سطح اللوحة من خلال بحثه عن صيغ جديدة للعلاقة بين الشكل والفراغ، اللون والخط، وبين كل متناقضات العمل الفني، فقد كان الثراء البصري للعمل الفني هو الشاغل الأهم للفنان. إنه لا يقدم بهرجة لونية ولا زخماً في الأشكال أو العناصر ، بل غالباً ما يتوحد بناء الصورة عنده في شكل واحد موحٍ يضم عناصرها وتفاصيلها . أو يفرد تصميم اللوحة علي شكل مستطيل متوحد مع حدود العمل دون أن يعبأ بالمفاهيم القديمة لعلاقة الشكل والأرضية. و اللون عنده عميق له أبعاد توحي بالقدم والرصانة والزمن، وهو يتحرك بين الهارمونية الخافتة والإرهاف الشديد ، وبين لمسات الضوء القوية ، وعنف الخطوط التي تعكس سرعة يد الفنان أثناء العمل والتي يحاول بها استباق الفكرة ونقل الدفعة الشعورية دون تنميق .وتمثل الدائرة أحد اختيارات الفنان التشكيلية المفضلة، حيث تكررت بحلولها الفريدة في كثير من أعماله الجدارية والتصويرية المسطح . وتتلخص القيمة التشكيلية للدائرة في أنها إذا وضعت أمامنا ستسقط العين على مركزها بوصفه مركز الثقل الذي يجذب إليه جميع النقاط. وفي هذا الوضع يكون الإحساس المتولد لدينا متجانساً مهما كان الاتجاه الذي قد تدفع العين إلى النظر فيه، فالعين تستطيع أن تتحرك في الدائرة بسهولة لتنسق بين أجزائها وتميز بينها في الأهمية. وهذا ما يفسر الطابع العاطفي للدائرة . وإذا كانت الدائرة شكل تنقصه صفة الإثارة على الرغم مما في بساطته وصفائه من جمال، وعلى الرغم مما في اتصاله من روعة …إلا أن الفنان قد أعطاها حلولاً أكسبتها كثير من الحيوية والثراء. فأحياناً نجده يشغل الدائرة بشبكة من الخطوط التي تحصر بينها مساحات تتخذ شكلاً أساسياً في التصميم ، أجزاء منه تقع أعلى العمل وأجزاء منه أسفل العمل فيتناوبان جذب العين ، وأحياناً يقسم الدائرة إلى مربعات يمثل كل منها عمل فني متكامل ، وفي نفس الوقت تتحد جميع أجزاء العمل كعمل واحد متكامل مما يذكرنا بنظرية الجشطلت .كما يستخدم الفنان في حلوله التصميمية الخطوط المائلة داخل الدائرة مما يحقق اهتزازا وتحركا لمسطحها المستقر، ويوحي بالدخول في أبعاد مسافية رغم الحل التجريدي للعمل . وفي دوائره الحجرية الرملية تنبني الدائرة من قطع الفسيفساء ذات اللون الصحراوي ،ثم يتخللها في المنتصف مساحة متعرجة من الأخضر اللازوردي كمجرى مائي وسط الصحراء ، ويرصع الأخضر ببقع لونية دقيقة من اللون البرتقالي الدافئ فيكسر الانتظام الرتيب للدائرة . هذا بالإضافة لحلوله الرائعة لمجموعة الدوائر الموجودة في عمله الكبير جدارية ” أحمد زويل ” . ويأخذ كثير من أعماله في تقنية الفسيفساء طابع الرسائل الحجرية ، وتكون حروفها هي قطع الفسيفساء متنوعة الحجم والاتجاهات، وترسم ظلالها على المسطح وعلى بعضها البعض عمقاً مسافياً قائماً على حركة الظلال والمخاطبة الإيحائية للبصر . وقد نراه في أعمال أخرى يحول مسطح الفسيفساء لمدينة حجرية قي قلب الصحراء كأننا نراها على ارتفاع شاهق من نافذة الطائرة. كما قدم الفنان مجموعة من أعمال الفسيفساء المجسمة ليدمج بذلك بين النحت والتصوير ، من خلال مجسمات لأشكال عضوية غير منتظمة، مكسوة بقطع الرخام ، فيتحرك التصميم الملون المسطح على مجسم فتضاف له قيم تشكيلية جديدة مرتبطة بالكتلة مثل البارز والغائر والظل والنور ، ويدعم استقرار التصميم شريحة داكنة أسفله يعلوها مساحة فاتحة تتحرك فيها خطوط متناثرة داكنة لتربط بين المسطحين المتناقضين . وبشكل عام يعتمد الفنان على أفضل ما ظهر من نظريات في إيثار الشكل في التجربة الفنية وهو نظرية الشكل ذو الدلالة أي الشكل الذي يثير فينا انفعالاً جمالياً . وقد خرج الفنان محمد سالم بالتصوير الجداري المصري الحديث من مجالات الحليات الزخرفية والموضوعات السياحية والحرف التطبيقية إلى مجال التشكيل المعاصر ، وتحمل مشقة الرواد في اجتياز ذلك حتى على مستوى عدم توفر الخامات ، فكان يبتكر مواده مستعيناً بأبسط الأدوات مثل الزجاج البلدي الشعبي، محاولاً صناعة بلاطات زجاجية منه يستخدمها في تشكيلاته، كذلك طور فكرة الزجاج المعشق بالجبس من خلال دراساته الأكاديمية. وواصل الفنان بحثه في ابتكار خاماته وتقنياته مثل استخدامه لظهر قطع السيراميك بملمسها المميز ولونها الفخاري، واستخدامه لحواف قطع الزجاج متجاورة بدلاً من استخدامها المعتاد كمسطح ، كما استفاد من الخلفية التي يثبت عليها قطع الفسيفساء ، فنراه يترك مساحات فارغة من تلك الخلفية لتؤدي دورها في التصميم، وفي ذلك تكريس منه للجمالية الخاصة للفسيفساء التي تعتمد على فكرة الجمال المنقوص ، وهي رؤية معاصرة للفسيفساء تنفي عنها أنها مجرد سطح يتم تحضيره بالمونة ، ليغطي بقطع من المواد الملونة ليصور أو يمثل مشهدا ما ، مما أعطى حرية كبيرة وجرأة في التعامل مع تقنية الفسيفساء . وقد استفاد العديد من الفنانين لاحقاً من تلك التقنيات في أعمالهم . كما شارك الفنان من خلال عمله كأستاذ للتصوير بكلية الفنون الجميلة بجامعة الإسكندرية ، في إنشاء شعبة التصوير الجداري في أوائل الثمانينات بقسم التصوير بكلية الفنون الجميلة ـ جامعة الإسكندرية ، ووضع منهجاً علمياً للدراسة يضم الثلاث تقنيات الأساسية للتصوير الجداري وهي: الفرسك والفسيفساء والزجاج المعشق .وطوال مشواره الفني لم يكن شاغله الأول هو المشاركة بلوحة في معرض . بل كان مهموماً بخروج العمل الفني من جدران قاعات العرض ذات الجمهور المحدود إلى الأماكن العامة لتصبح جزءاً من حياة المجتمع ، وابتعد عن التهويمات التي تجعل من الفن خدمة خاصة للصفوة ، من هنا اتخذت الدراسات الأكاديمية التي قام بها أو التي قبل الإشراف عليها منحي علميا واجتماعيا وتطبيقيا ليفيد مباشرة فكرة الفن في المجتمع . إنه واقعي جاد يتسم بالحياد والموضوعية ، يحاول أن تتخذ طموحاته للحركة الفنية أشكالاً عملية من خلال متابعته للعديد من الأنشطة . وهو يعمل ويترك للآخرين الظهور، وفي العديد من المناسبات الثقافية التي أخذ على عاتقه مسئولية إعدادها والأشراف عليها وتقديمها كان يقوم بكل الجهد ، لكنه يتوارى عند لحظات التكريم أو الاحتفاء .وتشهد رحلة الفنان محمد سالم الإبداعية أنه ظل مخلصاً للغة الشكل ، وابتعد في أعماله عن الحليات الحسية التي تعطي متعة عابرة للمتذوق العادي . وحتى في أعماله التي تحتل الأماكن العامة رفض الانسياق لمتطلبات السوق، وقدم تجربته التشكيلية الحقيقية التي لم يتدخل لترويضها تبعاً للمطلوب، وطوال تلك الرحلة انشغل بالعمل الإبداعي أكثر من انشغاله بتكوين شبكة من العلاقات العامة والدعائية يستثمرها في تقديم أعماله.من هنا كانت الرحلة الفنية للفنان الكبير الدكتور محمد سالم ترصد تاريخاً طويلاً من الاحترام والعمل الجاد والإبداع ، مما يضعه كأحد رواد الفن التشكيلي المصري المعاصر . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ*محمد سالم : ولد بمحافظة سوهاج عام 1940 ، تخرج من قسم التصوير ، كلية الفنون الجميلة ، جامعة الإسكندرية عام 1964، ويعمل بالتدريس فيها وشارك في تأسيس شعبة التصوير الجداري بها ، حصل على دكتوراة الفلسفة في التصوير عام 1982 درس الفسيفساء فى أكاديمية الفنون الجميلة فى رافنا –إيطاليا عام 1983، عضو الجمعية الدولية لفنانى الفسيفساء المعاصرين AIMC – إيطاليا ، رئيس مجلس إدارة مركز الإسكندرية لتجميل المدينة ، قام بتنظيم العديد من الفاعليات الفنية ، وقدم العديد من الأعمال الجدارية من أهمها جدارية ميدان زويل بالإسكندرية . أقام العديد من المعارض الشخصية ومثل مصر دولياً في العديد من المعارض الفنية . ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــدراسة منشورة فى كتابي ” مرايا العاطفة ” 2013سلسلة أفاق الفن التشكيليرئيس التحرير : أ.د مصطفى عبد المعطيالهيئة العامة لقصور الثقافة+8

35Medhat Ali, Samuel Onsy and 33 others3 CommentsLikeComment

Leave a comment

فيرميليون بيت الفنون © 2021. جميع الحقوق محفوظة.
تم تطويره وتشغيله بواسطة خبراء الديجيتال